أثر التعليم المبكر في كسر قيود الإعاقة: قصة خلود من مأرب

الإثنين, 11 مايو, 2026
أثر التعليم المبكر في كسر قيود الإعاقة: قصة خلود من مأرب

 

 

في مدينة مأرب، حيث فرضت الحرب والنزوح على الأطفال واقعاً قاسياً يفوق أعمارهم الصغيرة، كانت الطفلة خلود الوصابي تخوض معركتها الخاصة بصمت. طفلة في الخامسة من عمرها، تحمل جسداً أنهكته التحديات الصحية، لكن روحها كانت أكثر قوة من كل ما واجهته.

 

وُلدت خلود وهي تعاني من شلل نصفي وفتق في العمود الفقري، إضافة إلى حاجتها الدائمة لجهاز تصريف سوائل الدماغ. وعلى الرغم من خضوعها لثلاث عمليات جراحية، لم تتوقف معاناتها الصحية، كما لم تتوفر أمامها فرص حقيقية للتعليم أو الاندماج الاجتماعي، خاصة في ظل غياب برامج التعليم المبكر في محافظة مأرب لسنوات طويلة.

 

قبل افتتاح فصول التعليم المبكر، كان كثير من الأطفال في مأرب، خصوصاً الأطفال ذوي الإعاقة، يعيشون عزلة تعليمية واجتماعية قاسية. لم تكن هناك بيئات تعليمية مهيأة لاستقبالهم أو مساعدتهم على التعلم والتفاعل في سنواتهم الأولى، الأمر الذي كان يحرمهم من أهم مرحلة لبناء الشخصية واكتساب المهارات الأساسية.

 

لكن هذا الواقع بدأ يتغير مع تنفيذ مؤسسة تمدين شباب (TYF) لبرنامج التعليم المبكر للأطفال، بدعم من بدعم من صندوق التعليم لا ينتظر(ECW)، ضمن مشروع الاستجابة الطارئة للنزوح والأزمات المناخية في اليمن.

 

ولأول مرة في تاريخ محافظة مأرب، افتُتحت فصول التعليم المبكر في المدارس العامة بمديريات (المدينة، الوادي، وحريب)، لتمنح آلاف الأطفال فرصة جديدة للتعلم والحياة، وكان من بينهم خلود.

 

في البداية، كانت والدتها تدفعها يومياً على عربة صغيرة للوصول إلى مدرسة النجاح، وسط خوف دائم من ألا تتمكن ابنتها من الاندماج أو مواصلة التعليم بسبب حالتها الصحية. لكن داخل الفصل، بدأت ملامح التحول تظهر سريعاً.

 

تقول خلود بابتسامةٍ لا تخفي فخرها:
"أنا أحب مدرستي كثيراً. أشعر بالفخر وأنا ألبس زي التخرج وأمسك شهادتي بيدي. هنا تعلمت كيف أكتب أول حرف في اسمي."

 

داخل الصف، لم تكن إعاقتها هي ما يلفت الانتباه، بل ذكاؤها وحضورها وثقتها المتزايدة بنفسها. بدأت تشارك في الأنشطة التعليمية، وتجيب على الأسئلة بحماس، وتحاول الكتابة والرسم بإصرار وهدوء، وكأنها تخبر الجميع أن الإرادة أقوى من أي عائق.

 

وتقول معلمتها ناوه لجدع:
"خلود طفلة استثنائية؛ ذكاؤها وفطنتها جعلاني لا أشعر بإعاقتها في البداية. كانت حريصة على المشاركة والتفاعل بشكل لافت، وتحولها من طفلة خجولة إلى طفلة مبادرة وواثقة كان من أجمل النجاحات التي شهدناها داخل الفصل."

 

أما والدتها، أم شاكر الوصابي، فتصف التحول الذي عاشته ابنتها بأنه أكبر من مجرد تعليم:
"عانت خلود كثيراً، وكنت أخشى أن تُحرم من حقها في التعليم بسبب وضعها الصحي وغياب هذه الفصول في مأرب. هذا المشروع لم يمنح ابنتي فرصة للتعلم فقط، بل منحها حياة جديدة. أصبحت أكثر ثقة بنفسها، وأكثر سعادة، وتشعر اليوم أنها مثل بقية الأطفال."

 

لم تعد خلود مجرد طفلة تواجه صعوبات حركية، بل أصبحت قصة أمل تعكس كيف يمكن للتعليم أن يغيّر حياة الأطفال عندما تُمنح لهم الفرصة المناسبة. لقد ساعدها البرنامج على كسر عزلة الإعاقة، والاندماج مع أقرانها، واكتشاف قدراتها الكامنة، في بيئة تعليمية آمنة تراعي احتياجاتها النفسية والتعليمية.

 

ويعد برنامج التعليم المبكر الذي نفذته مؤسسة تمدين شباب (TYF) بدعم من صندوق التعليم لا ينتظر (ECW) ،  خطوة رائدة وغير مسبوقة في محافظة مأرب، حيث استهدف 43 مدرسة ووصل إلى 2773 طفلاً وطفلة، مع التركيز على الأطفال الأكثر ضعفاً وذوي الإعاقة.

 

كما عمل البرنامج على دعم العملية التعليمية من خلال توفير الكتب المدرسية، والحقائب الترفيهية، والأنشطة القائمة على التعلم من خلال اللعب، إضافة إلى التغذية المدرسية وحوافز المعلمين، بما يسهم في خلق بيئة تعليمية مستقرة وشاملة للأطفال المتأثرين بالأزمات.

 

قصة خلود ليست مجرد حكاية طفلة نجحت في تجاوز ظروفها الصحية، بل رسالة تؤكد أن الاستثمار في التعليم المبكر هو استثمار في مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية، وأن الطفل حين يجد من يؤمن بقدراته، يستطيع أن يصنع لنفسه بداية جديدة مهما كانت التحديات.

 

#التعليم_لا_ينتظر
#لكل_طفل_الحق_في_تعليم_جيد