تمدين شباب تصنع السلام في جبل حبشي... وتعيد إحياء الجمعيات التعاونية بطريقتها الخاصة

الخميس, 28 أكتوبر, 2021
تمدين شباب تصنع السلام في جبل حبشي... وتعيد إحياء الجمعيات التعاونية بطريقتها الخاصة


 
في غمرة الخلافات المجتمعية التي بلغت حد تجميد شرايين الحياة، ووسط تراكم الانقسامات التي دفعت بأصحابها إلى الوقوف ضد مصالحهم، لا لشيء إنما لأنهم كأغلب اليمنيين الذين يَعتبرون التنازل هزيمة. في تلك الرقعة الجغرافية الشاهقة، التي جفّت فيها لغة الحوار قبل أن تجف من ينابيعها مياه الشرب، وتقطعت فيها سُبل السلام قبل أن يتم إيقاف مشاريع الطرق، كان لا بد من إعادة إحياء لغة التصالح والتسامح وبث روح السلام، سيّما وأن هذا المجتمع خُلق سموحاً ومتسامحاً بالفطرة، يحب الحياة ويحب الآخرين.
 

لم يعد الأهالي في العديد من عزل مديرية جبل حبشي بمحافظة تعز، مضطرون بعد اليوم لعبور الطرق الوعرة، واجتياز المناطق الجبلية الخطرة. لقد انقضى عهد إسعاف المرضى وزفاف العرائس عبر طرق شاقة ومرهقة، وبات بإمكان كل فرد قضاء حوائجه ونقل بضائعه بوسائل النقل الحديثة بدلاً عن ظهور الحمير والجمال، بعد أن تم استئناف شق وإنشاء عدّة طرق في المديرية، وأصبح بإمكان المركبات بكل أشكالها وأنواعها، الوصول إلى مناطق مختلفة ومتباعدة لأول مرة، ليختفي شبح المعاناة من أمام أبناء هذه المنطقة إلى الأبد.
 

لقد نجحت مؤسسة تمدين شباب، بتمويل من برنامج جسور، في إنهاء النزاعات الاجتماعية التي كانت تقف حائلاً أمام تفعيل هذه المشاريع التنموية، وذلك من خلال تشكيل لجان ولقاءات مجتمعية لإعادة بناء السلام بين أوساط المجتمع، وهي بهذه الجهود تربط التماسك المجتمعي بالتنمية والسلام، ليتم على إثر ذلك رصف طريق الشروج بعزلة الشراجة، ورصف طريق المهدار جنس عزلة بني عيسى، ورصف طريق ثعب عزلة المراتبة، وشق وتوسعة طريق مدهافة بني بكاري، وإعادة تأهيل مشروع مياه عين الكسر. هذه المشاريع التي تم إنجازها خلال فترة وجيزة لا تتجاوز الستة أشهر، لا تمثل سوى جانب واحد من جوانب عدّة لهذه القصة.
 

أما الجانب الآخر لهذا النجاح، فيتمثل بمشاركة المجتمع مادياً، إذ أن المبلغ الخاص بمشروع "أطر مجتمعية تصنع السلام"، المخصص لتنفيذ كل هذه المشاريع يبلغ 35 ألف دولار فقط، لكن المساهمات المجتمعية، التي عملت تمدين شباب على حثها واستنهاضها، أوصلت قيمة المشروع إلى ما يناهز 115 ألف دولار.
 

الجانب الأهم في هذا المشروع، هو المساهمة العملية للمجتمع، فمن لا يملكون المال لم يفقدون القرار، ولم يظلوا مكتوفي الأيدي في ظل هذا الحراك المجتمعي، إذ ساهم كل فرد منهم بالأعمال البدنية التي يجيدها ويتحمل عنائها، ليصنع الجميع من عرق جبينهم قصة نجاح منحوتة في جغرافيا جبل حبشي.
 

لم تكتمل القصة هنا، ففي مشروع "أطر مجتمعية تصنع السلام"، تتزاحم قصص النجاح داخل القصة الواحدة، ليظهر الجانب الأكثر إشراقاً فيها من خلال مشاركة المرأة في المال والعمل، حيث كانت المرأة في هذا المشروع رديفة للرجل في المساهمة المجتمعية؛ هو يحمل الطوب وهي تحمل الفطور، هو يعبّد الطريق وهي تنقل المياه وتزرع الأشجار على جوانب الطرق، ليُنهيا معاً حصار الجبال، ما سهل ربط المجتمعات المنسية بالطرق العامة، وضمن وصول السكان للمساعدات الاغاثية المنقذة للأرواح، والخدمات الأساسية، وفرص العمل.